محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
59
الآداب الشرعية والمنح المرعية
مرتين . ومثل قول ابن المبارك اختاره الشيخ تقي الدين ابن الصلاح الشافعي في فتاويه ، وقال الشيخ تقي الدين بعد أن ذكر الروايتين في المسألة المذكورة قال فكل مظلمة في العرض من اغتياب صادق وبهت كاذب فهو في معنى القذف إذ القذف قد يكون صدقا فيكون في المغيب غيبة وقد يكون كذبا فيكون بهتا ، واختار أصحابنا أنه لا يعلمه بل يدعو له دعاء يكون إحسانا إليه في مقابلة مظلمته كما روي في الأثر ومن هذا الباب قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " أيما مسلم شتمته أو لعنته أو سببته أو جلدته فاجعل ذلك له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة " " 1 " وهذا صحيح المعنى من وجه كذا قال وهذا المعنى في المسند والصحيحين وغيرهم وفيه اشتراط ذلك على ربه وفيه " إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر " " 2 " . وقال أحمد : حدثنا عارم حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه حدثنا السميط عن أبي السوار العدوي عن خاله قال : رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأناس يتبعونه قال : فاتبعته معهم قال : ففجأني القوم يسعون وأتى علي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فضربني ضربة إما بعسيب أو قضيب أو سواك أو شيء كان فو اللّه ما أوجعني ، قال : فبت ليلة وقلت ما ضربني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلا لشيء علمه اللّه عز وجل في ، وحدثتني نفسي أن آتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أصبحت ، فنزل جبريل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : " إنك داع لا تكسر قرن رعيتك " فلما صلينا الغداة - أو قال أصبحنا - قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : " إن أناسا يتبعوني وإني لا يعجبني أن يتبعوني ، اللهم فمن ضربت أو سببت فاجعلها له كفارة وأجرا - أو قال - مغفرة ورحمة " " 3 " أو كما قال : إسناد جيد . ولعل مراد الشيخ تقي الدين رحمه اللّه تعالى إن شاء اللّه تعالى ما في شرح مسلم وغيره أنه أجاب العلماء بوجهين . أحدهما : المراد ليس بأهل لذلك عند اللّه عز وجل في باطن الأمر ولكنه في الظاهر مستوجب له فيظهر له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم استحقاقه لذلك بأمارة شرعية ويكون في باطن الأمر ليس أهلا لذلك وهو صلّى اللّه عليه وسلّم مأمور بالحكم الظاهر ، واللّه تعالى يتولى السرائر . والثاني : أن ما وقع من سبه ودعائه ونحوه ليس بمقصود بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامهم بلا نية كقولهم تربت يمينك وعقري وحلقي لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقة الدعاء فخاف أن يصادف إجابة فسأله ربه سبحانه ورغب إليه في أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة وطهورا وأجرا ، وإنما كان يقع هذا منه نادرا ولم يكن صلّى اللّه عليه وسلّم فاحشا ولا متفحشا ولا
--> ( 1 ) متفق عليه . أخرجه البخاري ( 6361 ) ومسلم ( 2601 ) . ( 2 ) أخرجه مسلم ( البر والصلة / 91 ) وأحمد ( 2 / 243 ، 493 ) واللفظ له . ( 3 ) أخرجه أحمد ( 5 / 294 ) وإسناده جيد كما قال المصنف .